مجموعات صور
 
 
 
    صوتيات واناشيد
   
 
 
    فيديو
  
  
اختيارات القرّاء
الأكثر قراءةً
سيدي شيخ المجاهدين ابن الثمانين../ د. منير محمد الغضبان
الأكثر تعليقاً
الأكثر طباعةً
جواز سفر (ستانلِس ستيل)../ د. محمد بسام يوسف
الأكثر إرسالاً
جماعة الإخوان المسلمين.. هل هي قابلة للحلّ؟!../ زهير سالم
التفاصيل >>
أين الرجال مثل عالمنا المجاهد الداعية أحمد العسال رحمه الله../ د. خالد هنداوي
طباعة إرسال لصديق
أين الرجال مثل عالمنا المجاهد الداعية أحمد العسال رحمه الله../ د. خالد هنداوي

مع أن عطلة الإجازة الصيفية عادة ما تكون منفذاً بل باباً للاسترخاء والاستجمام والراحة والترويح، فقد قدر الله لي أن أقضي شهرها بكثير من الجد والشد في مشاعري، فقد شاء الله لي أن أزور البوسنة والهرسك، وعشت ببدني وروحي مع الشهداء الذين قضوا في حربها السابقة، فزرت مقابرهم وأحييت مع المسلمين ذكرياتهم في أكثر من قرية ومسجد، خاصة ما قطر منه قلبي دماً عن ذكرى مذبحة سربنتشا التي وافقت زيارتي إحياءها لدى البوسنويين وشاركهم فيها ممثلون من أكثر بلاد الدنيا فقلت في نفسي: إنها نزهة الخواطر في قمم الجد لا الاسترخاء والترفه، ثم إنني عرفت وأنا عائد إلى اسطنبول بتركية خبر وفاة آخر أحفاد السلطان عبدالحميد الثاني عثمان نامي عثمان أوغلو عن عمر ناهز 93 عاماً، وقد حضر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان جنازة الفقيد، حيث دفن بجانب قبر السلطان محمود الثاني، فعشت بمشاعري ثانية مشهد الخلافة نهوضها وسقوطها، وتأملت زوال الدنيا وقلت: أنا لا أعرف حقيقة هذا الرجل ولكن وفاته شدتني إلى ذكرى الأمجاد فتأثرت بها وغلبني الحزن والأسى ولم تسترخ أعصابي في العطلة، ثم عدت إلى الدوحة مقر إقامتي في قطر، وبعد يومين خرجت في جنازة والدة أخينا الكريم محمد حسن نقي العمادي، وشهدت إهالة التراب على القبر، وتأثرت وسألت الله حسن الختام لنا جميعاً، ثم لما عدت إلى البيت اقتنيت مجلة المجتمع الكويتية التي أواظب عليها أسبوعياً وأدعو الجميع إلى قراءتها، حيث إنها تزودك بالأخبار والتحليلات الصائبة العميقة أسبوعياً، فإذا فيها نبأ رحيل شيخنا وأخينا الداعية العالم المربي المجاهد صاحب المناقب السامية والخلال النادرة فضيلة الأستاذ الدكتور أحمد العسال صب الله عليه شآبيب الرحمة والرضوان.
فقلت: نعم إنه شهر كامل قد نعمت فيه بالحياة مع الشهداء والعلماء والموتى الصالحين والصالحات وردّدت قول أبي الحسن التهامي:
حكم المنية في البرية جار
ما هذه الدنيـا  بدار قرار
وكان لا بدّ لي أن أقدم شيئاً يسيراً من الوفاء لهذا الرجل العظيم في زمن قلّ فيه الرجال، فشرعت أسجل هذه السطور القليلة علّها تطفئ شيئاً مما يحترق في صدري حزناً على قبض العلماء، وأيقنت أن راحة المؤمن في السير على درب هؤلاء، أما البدن فراحته غير مستعجلة، وأخذت أسأل نفسي عن هذا الجبل الشامخ وهذا الفارس الذي آن له أن يترجل بعد أن قضى حياته في حلبة العمل والحركة والتربية والدعوة بعد ولادته بسنوات قليلة عام 1928، وإلى أن انتقل إلى جوار ربه عن عمر ناهز اثنين وثمانين عاماً 10/7/2010م، وقد شاء الله له أن يعيش منذ نشأته في أسرة علمية وأن ينقله والده وهو طفل صغير بين مقرئ وآخر من الشيوخ حتى حفظ القرآن الكريم في العاشرة والنصف من عمره، فاستحق أن ينال جائزة الملك فاروق التي كانت مخصصة لمن يحفظ القرآن وعمره الثانية عشرة، وهكذا نشأ المرحوم فتىً قرآنياً منذ نعومة أظفاره، ثم أتم تعليمه الابتدائي فالأعلى حتى تخرج في كلية الشريعة والقانون من الأزهر الشريف، وقد تخرج صديق دربه العلامة الشيخ يوسف القرضاوي فيه من كلية أصول الدين.
وإذا كنت سأوجز الحديث عن هذا الرجل الذي فقدناه مع من فقدنا في الخالدين، فإنني لن أسترسل في مجريات حياته الشخصية والإدارية حيث تبوأ أرقى المراتب فيها، ولكن سأكتفي ببعض الوقفات في سيرة هذا العلم الأجل الكبير، بداية اتصلت بفضيلة شيخنا العلامة عبدالمعز عبدالستار المقيم في قطر الذي نيف على التسعين وهو من هو؟ علماً وأدباً وتربية وسلوكاً وهو العارف بالعسال رحمه الله كأخيه الأصغر فقال: الله، هل مات الشيخ أحمد فإذا بي أفاجأ أنه لم يصله نعيه، وتأثّر جداً جداً وقال: لقد كان شيخنا عالماً داعية مجاهداً مربياً وكان رجلاً من العاملين والحاملين لواء الإسلام بآماله وآلامه، كم كان دؤوباً على بناء الأمة المتهدم، وكم كان ينور العقول ويهذب النفوس، إنه ذاك الرجل الحكيم الحليم الذي وقف نفسه للعلم والعمل والإصلاح بين الناس وحمل هم المسلمين في مختلف مراحل حياته، وكان أباً وأخاً للجميع رحمه الله رحمة واسعة وحشرنا معه في عليين.
وأنا لن أنسى أبداً صدق هذا الوصف فما التقيت مرة بالمرحوم المجاهد إلا كشفت فيه خلالاً كريمة، كان ما وصفه الشيخ عبدالمعز يمثّل أهمها. وقد كان رحمه الله أول ما يسألني عن حال الدعوة وطلبة العلم، وكيف نعمل على الرقيّ بالأمة، ثم يضع يده على كتفي ويقول كيف أنت والشعر، فقد كان رحمه الله يطرب للشعر الحسن ويهزّ مشاعره هزّاً، وكم كنا في إسلام أباد نعيش هذه الأجواء الإيمانية والأدبية في صحبته رحمه الله، ثم كلّمني الشيخ عبدالمعز بأن خسائرنا تتوالى بفقد الرجال والمصلحين كمثل الشيخ أحمد الذي كان له عميق الأثر في بلده وما حولها وفي الخارج العربي والإسلامي وأقول: أما في العلم فقد كان العسال ينشره في قريته وبلده مصر حيثما حلّ، وكان يفتي السائلين حتى قال لي مرّة: لقد زرت قريتي بعد سنين فوجدت قلّة من الناس كانوا يسألون عن فتاوى، ولم يقبلوا الأجوبة المريحة المطمئنة، وقالوا حتى ننتظر أن نسمع من شيخنا أحمد العسال، وكان يقول: ومن أنا؟ قلت: إنها الثقة وهذا فضل من الله. وقد أخذ يتابع التعلّم والتعليم في قطر والسعودية وبريطانيا حيث كان يحقق المخطوطات بجامعة كامبردج وباكستان، حيث نشر الثقافة الإسلامية، وكان يدعو إلى القراءة المثمرة، وأنها زاد الداعية الفعال، وأنه لابد أن يقرأ كل شيء، وقد كان العسال رجلاً قرآنياً فريداً علماً وعملاً، وقد ساعده على هذا البناء تتلمذه على يد الأستاذ البهي الخولي صاحب كتاب تذكرة الدعاة، وكان للعسال حرص أن يتعلم الدعاة اللغة الانجليزية أيضاً لتساعدهم في الدعوة، وقد دعا إلى إدخالها في المعاهد الأزهرية، وقد ألّف بعضاً من الكتب المهمة التي قد لا تزيد على أصابع اليدين ولكن فيها النفع العظيم، إضافة إلى البحوث والمقرّرات الشرعية عندما كان يعمل في دولة قطر في ميدان التدريس والثقافة التي كان رئيساً لقسمها في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عدة سنين، وكان يلقي عشرات المحاضرات والندوات الإضافية على طلاب الجامعة الإسلامية في إسلام أباد، ويتناول أهم القضايا الساخنة الحساسة حتى أفاد منه خلق كثير من بلاد مختلفة، إذ كانت الجامعة تضمّ طلاب وطالبات ستين بلداً عربياً وإسلامياً، وهكذا كان رحمه الله كرفيق دربه العلامة القرضاوي عاملاً على نشر العلم بوصف العالم الرباني، وقد حدثني الأخ الدكتور حسين فرحان أنه ما زاره إلا واستفاد من علمه.
أما الدعوة فقد وهبها حياته في الحلّ والترحال مقتحماً في سبيلها كل صعب، حتى أودت به إلى غياهب السجن الحربي والطور في مصر، ومنع بسببها من العمل والسفر، وفرّج الله عنه فتابع أكثر من خمسة آلاف طالب علماً وتربية، بل كفالة ومساعدة مالية، بل كان يلقّب أبو المساكين لكثرة ما يسأل ويعين الطلبة الفقراء، وهذا ما كان يذكره الطلاب أنفسهم في إسلام أباد، حيث يهتم بالطلبة الأفارقة والآسيويين، ويقول عن الطلاب الصينيين إنهم قد جاؤوا للعلم مع رفاهيتهم في بلادهم، وأما الأفارقة فقد جاؤوا مع فقرهم، وكان كثيراً ما يتابع أمور الدعوة بالسفر إلى الصين، حيث رحل إلى هناك ثلاث مرّات يتذاكر مع الطلبة والأئمة في المعاهد ويلقي محاضرات في جامعة لانجو الحكومية شمال غربي الصين ولا يطلب أجرا أو مكافأة، بل حدّثني الدكتور حسين أن معظم راتبه وهو كبير كونه رئيساً للجامعة الإسلامية يتبرّع به ولا يبقى إلا ما يكفيه للضروريات، كان يتفقد إخوانه وأحبابه وطلابه وينفق عليهم، خاصة أنه لم يعل أسرة وأبناء إذ لم يرزق بالبنين أو البنات، أقول ولكن كتبه هم الأولاد المخلدون له وكذلك أعماله، لقد حاز الهمّة الفولاذية في الدعوة إلى الله وكان من القلّة المؤثرين في الناس ولا عجب فهو ثمرة من ثمار هذه الدعوة.
أما خلقه فحدّث عن مثل صفاء الفضة مع القلب السليم والروحانية الفياضة والتسامح الكريم مع الإخوة والأعداء وهو الذي كان يدعونا دوماً للحوار ويقول: الحوار فريضة دينية ولو اشتدّ واحتدّ المخالف.. وفي ختام هذه العجالة لا يسعني إلا أن أشهد أن هذا الرجل كان جزءاً من تاريخ الأمة وركناً عتيداً من أركان بنائها، عاش قضاياها وأولاها فلسطين ومات مريضاً ولم يتوان عنها، وكان ذا هيبة عظيمة حتى أذكر أنه كان يدخل على الرئيس الباكستاني الشهيد ضياء الحق دون استئذان، فأين الرجال مثل فقيدنا العسال؟.

25/07/2010 - 05:33 ص
أعلى الصفحة