تعرّضت الأمّة الإسلامية لأكبر عملية تجهيل وتضليل حول طبيعة الصراع مع "إسرائيل"، وذلك لإخفاء الحقائق التي يمكن أن تزيد الوعي بطبيعة هذا الصراع وأبعاده الدينية.
لذلك لم يكن مفهوماً لمعظم الناس لماذا تحالف المسيحيون مع اليهود، ذلك أن هناك نوعاً من العداء التاريخي فالمسيحيون يعتقدون أنّ اليهود هم الذين تآمروا لصلب المسيح.
بالرغم من ذلك تشكّلت ظاهرة المسيحية الصهيونية التي أصبح معتنقوها هم السند والنصير لـ"إسرائيل"، والقوّة التي ترغم أمريكا وأوروبا على تأييد "إسرائيل" وحمايتها وضمان أمنها والصمت عن جرائمها وانتهاكها لحقوق الإنسان.
وكلّ ما بناه اليهود على أرض فلسطين كان بأموال المتبرّعين من المسيحيين الصهيونيين بالإضافة إلى الأموال التي تغدقها عليهم أمريكا وأوروبا.
تريليونات الدولارات تدفّقت من الغرب على "إسرائيل"، ليبني بها اليهود دولتهم ويدّعون كذباً أنهم حولوا الصحراء إلى جنّات خضراء.
وفي خلال العقدين الماضيين ظهر توصيف للحضارة الغربية تبنّاه الكثير من الكتاب يقوم على أن هذه الحضارة مسيحية يهودية.
من أجل عودة المسيح
هناك الكثير أيضاً من وسائل الإعلام الغربية التي ربطت بين المعتقدات اليهودية والمسيحية حول إقامة الهيكل الثالث.
على سبيل المثال مجلة "نيو روبابليك" قالت في 18 يونيو 1984 إنّ ملايين المسيحيين الإنجيليين في أمريكا يؤمنون بأنّ قوّة "إسرائيل" وإقامة الهيكل الثالث خطوة حول عودة المسيح وهذه عقيدة مشتركة بين اليهود والمسيحيين، وأضافت المجلّة أنّ هناك مؤامرة بين اليهود والمسيحيين لإعادة بناء الهيكل.
وهذه النبوءة أصبحت تقوم عليها تجارة رائجة في أمريكا بشكل خاصّ ودول الغرب بشكل عامّ، فهناك الكثير من الكتّاب الأمريكيين المسيحيين الذين أصدروا كتباً تشرح هذه النبوءة من واقع نصوص الإنجيل والتوراة وقد انتشرت هذه الكتب لتصبح أكثر الكتب رواجاً حيث يقدّر عدد النسخ التي وزّعت منها في أمريكا بأكثر من سبعين مليون نسخة، كما ترجمت إلى أكثر من خمسين لغة.
على مستوى التأثير حقّقت هذه الكتب والمواد الإعلامية والثقافية التي ركّزت على شرح نبوءات الإنجيل والتوراة حول إعادة بناء الهيكل كمقدّمة لعودة المسيح تأثيراً إستراتيجياً كبيراً، واستخدمت في تصنيع اتّجاهات الجماهير لتأييد "إسرائيل".
ولكن من يدفع؟!.
جريدة "جيروزاليم بوست" وهي جريدة ذات أهمّية كبيرة في "إسرائيل" أصدرت ملحقاً في 30 سبتمبر 1983 حول الهيكل الثالث، وتضمّن هذا الملحق مقالاً عنوانه الرابطة المسيحية جاء فيه: بينما توجّه جماعات جوش أمونيم ويوشوفات كوهينيم أنظارها نحو بناء الهيكل، فإنّ المسيحيين الإنجيليين في أمريكا يخرجون الأموال من جيوبهم لتمويل الأنشطة التي تؤدّي إلى إعادة بناء الهيكل.
أضافت الصحيفة "الإسرائيلية": أنّ هناك الكثير من المسيحيين المحافظين والكنائس والجماعات يعملون لإعادة بناء الهيكل، ويعتبرون أنّ إعادة بناء الهيكل هو حجر الزاوية في عقيدتهم.
أضافت الـ"جيروزاليم بوست" أنّ هؤلاء المسيحيين الإنجيليين يؤمنون بالنبوءات وأنّ بناء هذا الهيكل هو مقدّمة لعودة المسيح.. وهكذا حدث تحالف بين اليهود والمسيحيين الإنجيليين هدفه إعادة بناء الهيكل.
إنّها مؤامرة!
الغريب أنّنا عندما نستخدم مصطلح المؤامرة يسخر منا العلمانيون العرب ويعتبروننا متخلّفين، ذلك أنّ فكرة المؤامرة في نظرهم تتناقض مع العلم والذين يتحدّثون عنها هم الضعفاء.
لكن الصحف الغربية نفسها تستخدم نظرية المؤامرة، حيث قالت مجلة "لينك" الناطقة باسم الكنائس العالمية إنّ المتعصّبين اليهود والمسيحيين الإنجيليين يتآمرون لتدمير المسجد الأقصى وقبّة الصخرة وبناء الهيكل الثالث مكانه.
أضافت المجلّة أنّ هناك هدفا مشتركاً بين اليهود والمسيحيين الإنجيليين، كما أنّ هناك ارتباطاً عقائدياً يشكّل أساساً للوحدة بينهما، وأدّى ذلك إلى قيام المسيحيين الإنجيليين بتمويل "إسرائيل" وجمع التبرّعات لها.. إنّهم يتقاسمون الآمال والأهداف التي تشكّلها العقيدة.
والمسيحيون الصهاينة يحاولون أن ينشروا عقيدتهم عن طريق البعثات التبشيرية في كلّ أنحاء العالم، وتدريسها في الجامعات.. ويتوقّع جريس هالسل أنّ 10% من الشعب الأمريكي أصبحوا يعتنقون هذه النبوءة ويؤيّدون الحركة التي تهدف لبناء الهيكل الثالث.
ويقوم قادة المسيحية الصهيونية الذين يتمتّعون بتأثير كبير بجمع التبرّعات لـ"إسرائيل" والدعوة إلى تأييدها سياسياً، ويتمّ توجيه الكثير من التبرّعات للجماعات اليهودية التي توصف بأنها متطرّفة مثل "جوش أمونيم" والمخلصين لبناء الهيكل.
ويتّحد اليهود والمسيحيون الإنجيليون حول هدف أساسي هو تدمير المسجد الأقصى، حيث يتمّ بناء الهيكل مكانه، ويطالب زعماء الكنائس الإنجيلية المسيحيين بالتضحية لبناء الهيكل.. ويلاحظ أنّ فكرة التضحية لبناء هذا الهيكل هي فكرة محورية في العقيدة اليهودية.
مصير الأرض
لنأخذ مثالاً من خطاب أحد زعماء المسيحية الصهيونية وهو هل ليندسي الذي يقول إنّ إقامة دولة "إسرائيل" عام 1948 والاستيلاء على القدس عام 1967 هو نهاية عهود الأغيار وهو مصطلح يستخدم في العقيدة اليهودية لتوصيف كلّ الأمم فيما عدا اليهود.
ويعتبر هال ليندسي هو الأب الروحي لحركة نبوءة إنجيل العهد الجديد والممثّل الرئيسي للصهيونية المسيحية، وهو يرى أنّ مساحة الـ 35 فداناً المقام عليها الآن المسجد الأقصى، والتي يجب أن يقام عليها الهيكل الثالث هي أهمّ نقطة في الصراع العالمي، وسيتمّ حسم مصير الأرض كلّها بناءً على نتيجة الصراع حول هذه القطعة من الأرض!.
يضيف ليندسي: إنّ الهيكل سيتمّ إعادة بنائه... هكذا تقول النبوءة.... وهذه أوّل مرّة يسيطر فيها اليهود على الهيكل بشكل كامل منذ 2600 سنة، وبناء الهيكل العظيم إشارة إلى العودة القريبة للمسيح وعلى كلّ الذين يؤمنون بالمسيح أن يستعدوا لاستقباله.
ويفسّر المسيحيون الصهيونيّون نبوءات الإنجيل في شكل تتابع زمني يبدأ بحرب مدمّرة بين اليهود والمسلمين، تنتهي بمعركة أرمجيدون.
ويستندون في ذلك إلى مجموعة من النصوص التي تعود إلى دنيال، وهذه النصوص تمّ توظيفها سياسياً واقتصادياً وثقافياً لصالح "إسرائيل"، ولإقناع الكثير من الأمريكيين بالتبرّع لـ"إسرائيل" وتأييدها سياسياً، والانخراط في أنشطة مختلفة هدفها التعجيل بعودة المسيح عن طريق زيادة قوّة "إسرائيل" وتجميع اليهود فيها وإعادة بناء الهيكل الثالث.
وهناك الكثير من الأدلّة على أنّ هذه النصوص قد تمّت صياغتها خلال القرن السادس عشر وتمّت إضافتها إلى الطبعات الإنجليزية من الإنجيل، والتي تمّ إنتاج ملايين النسخ منها.
كما أنّ الذين قاموا بصياغة هذه النصوص وإضافتها لهذه الأناجيل كانوا يجيدون العبرية، ولهم اتجاهات صهيونية وأصول يهودية وهناك بعض النصوص التي يستخدمها زعماء المسيحية الصهيونية وينسبونها للمسيح نفسه، وهم يفسّرونها على أنّ الهيكل لا بدّ أن يعاد بناؤه، وأن هذا الهيكل هو صورة من الهيكل الموجود في السماء وظلّ له.
ويعتقد المسيحيون الصهيونيون أنّ الهيكل يجب أن يقام مكان قبّة الصخرة, ويدّعي ليندسي أنّ علماء الآثار في جامعة بارابلان قد اكتشفوا عموداً يعود إلى هيكل سليمان على مسافة عشرة أمتار من قبّة الصخرة. ومن الواضح أنّ ليندسي يكذب، فـ"إسرائيل" لا يمكن أن تخفي مثل هذه المعلومة، ولو أنّها حقيقية لكانت أعلنتها في كلّ وسائل الإعلام.
لكن ليندسي يحاول أن يضلّل الجمهور الأمريكي. ومع ذلك يمكن تصنيع القصّة واستخدامها في أيّ وقت كمبرّر لتدمير المسجد الأقصى وبناء الهيكل مكانه.
أطفال لخدمة الهيكل
ويبدو أنّ تنفيذ المخطّط يتصاعد بشكل تدريجي ففي مارس 1998 نشرت جريدة "هاآرتس" إعلاناً يطلب أطفالاً حديثي الولادة من أصول يهودية نقيّة يكون آباؤهم على استعداد للتضحية بهم لكي يتمّ تربيتهم في عزلة ليكونوا خدّاماً للهيكل الذي سيتمّ إعادة بنائه.
كما استخدم المسيحيون الصهيونيون شبكات الإذاعة والتليفزيون التي يديرونها مثل شبكة "بات روبرتسون" الإذاعية لجمع التبرّعات لإعادة بناء الهيكل، وفي العام الواحد يتمّ جمع ما يزيد على مائة مليون دولار وفي كتابه الحرب المقدّسة يستعرض ديفيد دولان النتائج التي يمكن أن تترتّب على تنفيذ هذا المخطّط وأهمّها القضاء على الاستقرار في الشرق الأوسط، كما أنّ هذا الهيكل سوف يجذب اليهود من كلّ أنحاء العالم وهذا يحقّق نبوءة الإنجيل في أنّ كلّ اليهود في الشتات سوف يعودون إلى أرضهم؛ كما يؤكّد نبوءة الإنجيل في أنّ "إسرائيل" سوف تلعب دوراً مهمّاً في العالم وسوف تتمتّع بثروة ونفوذ وقوّة كبيرة في الأيّام الأخيرة، وهذا سيؤدّي إلى حرب واسعة بين العرب و"إسرائيل" تنتهي بمعركة أرميجدون، وهذه المعركة ستتمّ حول جبل الهيكل والقدس القديمة.
وهناك الكثير من المسيحيين الإنجيليين يزورون القدس كلّ عام، وقد استقبل عمدة القدس عام 1985 وفداً منهم، وألقى أمامهم خطاباً قال فيه: ها أنتم ترون أنّ القدس قد تمّت استعادتها، وسوف ترون الهيكل أمامكم.. إنه قدس الأقداس الذي سيتمّ إعادة بنائه.
وفي انتظار إعادة بناء الهيكل يستمرّ المسيحيون الصهيونيون في جمع التبرّعات لـ"إسرائيل" وفي حمايتها من النقد وإرغام أمريكا ودول الغرب على تأييدها وحمايتها وضمان تفوّقها.